المقريزي
69
المقفى الكبير
فلاح « 1 » . ثمّ عزل سلمان بن جعفر بعد تسعة أشهر بجيش بن الصمصامة . فسار من القاهرة في تاسع ذي القعدة سنة سبع وثمانين [ وثلاثمائة ] ، ونزل على دمشق ، بعد ما أقام بالرملة مدّة ، في يوم الجمعة لأربع خلون من رجب سنة ثمان وثمانين ، وقدم إليه بشارة متولّي « 2 » طبريّة ، وسار بالعساكر إلى [ أ ] فامية « 3 » يوم الاثنين رابع عشره وقد نازلها الروم ، فقاتلهم قتالا كبيرا قتل فيه من الروم نحو خمسة آلاف ، وانهزم باقيهم في يوم الثلاثاء لتسع بقين من رجب . ومضى جيش إلى نحو مرعش يحرق ويهدم ونزل على أنطاكية وبها الروم ، وقاتلهم أيّاما ، ثمّ سار إلى شيزر ، وعاد إلى دمشق فنزل المزّة « 4 » يوم الثلاثاء ، لتسع بقين من ذي القعدة [ سنة 388 ] . ونزل بشارة القصر الذي بدمشق على أنّه ولي دمشق ، فورد الكتاب من مصر باستقرار جيش على إمارة دمشق . وكانت دمشق قد خربت وقلّ ناسها وضعفوا ، وثار قوم من الجهّال وصاروا يأخذون الخفارة من الناس ، فكثرت أموالهم وركبوا الخيل ، ومشت الرجّالة بين أيديهم وزاد عجبهم ، وأظهروا أنّهم تحت طاعة السلطان وفي خدمته . فأمّنهم جيش ووعدهم بالأرزاق حتى اطمأنّوا إليه ، فقبض عليهم وقيّدهم وحبسهم وشدّد العقوبة عليهم حتى استصفى أموالهم ، وتتبّع من استتر منهم ، وضرب أعناقهم ، وصلبهم على أبواب المدينة حتى خلا البلد منهم . ثمّ طمع في بقيّة الناس من أهل المدينة والقرى وجبى [ من ] هم الأموال إلى [ أن ] شمل ضرره الكافّة فكثر الدعاء عليه ، وهو يطرح الأموال على القرى وعلى أهل المدينة ويعدهم ببذل السيف فيهم . وبينا هو في ذلك ؛ إذ ورد الخبر بمسير الروم إليه في طلب ثأرهم ب [ أ ] فامية ، فجمع العربان وغيرهم وأنزلهم من حرستا إلى القابون « 5 » ، ونزل الروم على شيزر وقاتلوا أهلها وملكوها ، ثم أخذوا مدينة حمص وسبوا وحرّقوا ، وذلك في ذي الحجّة سنة تسع وثمانين [ وثلاثمائة ] - وهي دخلة الروم الثالثة [ إلى ] حمص - ثمّ ساروا إلى طرابلس ونازلوها مدّة ثمّ أفرجوا عنها ، وتوجّهوا إلى الثغور الجزريّة . فاشتدّ بأس « 6 » جيش عند رحيلهم وزاد [ 406 ب ] ضرره لأهل دمشق . وكان به طرف جذام فتزايد به حتى تمغّط شعره ورشح بدنه واسودّ . ثم امّحت سحنة وجهه وداد كلّه ونتن جميع جسده فصار يصيح : « ويحكم ! اقتلوني ! أريحوني ! » إلى أن هلك يوم الأحد لسبع خلون من ربيع الآخر سنة تسعين وثلاثمائة . وكان مقامه على دمشق ستّة عشر شهرا وستّة عشر يوما « 7 » . ووصل ابنه أبو عبد اللّه بتركته في جمادى الآخرة ، ودفع درجا إلى ريدان الصقلبيّ حامل المظلّة ، بخطّ أبيه جيش يتضمّن وصيّته ، وتعيين ما خلّفه مفصّلا مشروحا ، وفيه أنّ ذلك جميعه لأمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه ، لا يستحقّ أحد
--> ( 1 ) هذا الابن هو لجعفر بن فلاح يكنّى أبا تميم ، انظر الكامل في حوادث 386 ، والتحفة 2 / 5 . ( 2 ) في الكامل : انهزم أصحاب جيش ما عدا بشارة الإخشيديّ ، وذكر ابن عساكر 3 / 225 ، أنّه ولي دمشق سنة 388 ثمّ عاد إلى طبريّة سنة 390 . ( 3 ) أفامية Apamee : من كور حمص ( ياقوت ) . ( 4 ) المزّة : قرية في بساتين دمشق ( ياقوت ) . ( 5 ) حرستا والقابون : من قرى دمشق . ( 6 ) هنا حاشية بدون إمضاء : ليت شعري ، هلّا اشتدّ بأسه على الروم وترك المسلمين في قوّتهم عونا له عليهم ؟ ( 7 ) في النجوم الزاهرة 4 / 204 أنّه مات في سنة 391 ، ورواية المقريزيّ هنا توافق ما كتبه في الاتّعاظ 2 / 33 ، وهنا تعليق آخر : قد خسر الدنيا والآخرة وعجل عذابه في الدنيا والآخرة ، دمّره اللّه ، وقد فعل !